صديق الحسيني القنوجي البخاري

464

فتح البيان في مقاصد القرآن

قال صاحب الفرائد هذا تنبيه على أن النفس لا توافق صاحبها في الإنفاق لوجه اللّه البتة فلا بد من التكليف وتحمل المشقة ، والذي توافقه النفس هو الافتخار والمراآت فكأنه تعالى ذكر هذا المثل بإزاء ما قال : أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً [ البلد : 6 ] والمراد الإنفاق المفيد ، وأن ذلك الإنفاق لمضر انتهى . وفي التمثيل بالعقبة بعد ذكر النجدين ترشيح ثم التقريع عليه بالاقتحام قرينة لتلك المبالغة ذكره الكرخي ، ومعنى فَكُّ رَقَبَةٍ إعتاق رقبة وتخليصها من إسار الرق وكل شيء أطلقته فقد فككته ، ومنه فك الرهن وفك الكتاب ، فقد بين سبحانه أن العقبة هي هذه القرب المذكورة التي تكون بها النجاة من النار ، قرىء فك رقبة على أنه فعل ماض وهكذا أطعم ، وقرىء فك وإطعام على أنهما مصدران ، وعلى الأولى المعنى فلا أفك ولا أطعم ، والفك في الأصل حل القيد سمي العتق فكا لأن الرق كالقيد ، وسمي المرقوق رقبة لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته . وقد ثبت الترغيب في عتق الرقاب بأحاديث كثيرة منها ما في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم « من أعتق رقبة مؤمنة أعتق اللّه بكل عضو منها عضوا من النار حتى الفرج بالفرج » « 1 » . أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ أي مجاعة . والسغب الجوع ، والساغب الجائع ، قال الراغب يقال منه سغب الرجل سغبا وسغوبا فهو ساغب وسغبان والمسغبة مفعلة منه ، قال النخعي في يوم ذي مسغبة أي عزيز فيه الطعام . قال ابن عباس مسغبة مجاعة ، وعنه جوع ، وقيد الإطعام في هذا اليوم لأن إخراج المال في ذلك الوقت أثقل على النفس وأوجب للأجر ، قرأ الجمهور بالجر على أنه صفة ليوم ، ويتيما هو مفعول إطعام ، وقرأ الحسن بالنصب على أنه مفعول إطعام أي يطعمون ذا مسغبة ويتيما بدلا منه . يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ أي قرابة قاله ابن عباس : يقال فلان ذو قرابتي وذو مقربتي ، واليتيم في الأصل الضعيف يقال يتم الرجل إذا ضعف ، واليتيم عند أهل اللغة من لا أب له ، وقيل هو من لا أب له ولا أم ، ومنه قول قيس بن الملوح . إلى اللّه أشكو فقد ليلى كما شكا * إلى اللّه فقد الوالدين يتيم أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ أي لا شيء له كأنه لصق بالتراب لفقره ، وليس له مأوى إلا التراب ، يقال ترب الرجل يترب تربا ومتربة إذا افتقر حتى لصق بالتراب ضرا ، قال

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الكفارات باب 6 ، ومسلم في العتق حديث 22 ، 23 ، والترمذي في النذور باب 14 ، وأحمد في المسند 2 / 420 ، 422 .